الأحد 6 ربيع الأول 1444ﻫ - 2 أكتوبر، 2022

كيف يتم تقييم برامج الخصخصة بين الإيجابيات والسلبيات؟

img

الجمعة, 24 يونيو, 2022

يعد مفهوم الخصخصة من المفاهيم الاقتصادية ذات الانعكاس السياسي والاجتماعي. وتعد من المفاهيم الشائعة. وتختلف النظرة إليها سواء على مستوى العامة أو على مستوى الأخصائيين. ونادراً ما تخلو دولة ما من تطبيق لها. وينظر لها أحياناً على أنها أداة سلبية تترك آثاراً اجتماعية مدمرة. كما يُنظر لها على أنها سياسة اقتصادية تحقق استثماراً أمثل للموارد. ولكن الحكم على الفاعلية الاقتصادية والاجتماعية للخصخصة يرتبط بعدة معايير وعوامل. وهذا ما يجعلها خياراً اقتصادياً محفوفاً بالمخاطر التي تنشأ من كون تجارب الخصخصة الدولية تتباين في نتائجها بين السلبية والإيجابية. والسؤال هنا: ما تقييم برامج الخصخصة بين الإيجابيات والسلبيات؟

 

ما مفهوم الخصخصة؟ وما أبرز مبرراتها؟

الخصخصة عملية اقتصادية يتم خلالها نقل ملكية المشروعات الإنتاجية أو الخدمية من القطاع العام إلى الخاص. فالخصخصة هي بيع للمشاريع التي تمتلكها وتديرها الدولة. وقد تكون نقل الملكية كلية أو جزئية. ويعد هذا المفهوم حديثاً نسبياً فالظهور الحقيقي له كان في النصف الثاني من القرن العشرين.

غالباً ما يتم تطبيق الخصخصة بهدف تحقيق إصلاح هيكلي في الاقتصاد. ومن مبرراتها انخفاض كفاءة الاستثمار الحكومي لقطاعات الإنتاج. أو بهدف توفير السيولة في حالات العجز الحادّ في الموازنات العامة. أو للاستفادة من المرونة العالية في الإدارة التي يتمتع بها القطاع الخاص.

تشير الإحصائيات والبيانات الاقتصادية إلى أن عدداً كبيراً من الدول طبقت برامج الخصخصة وإن كان بنسب مختلفة. وتزداد وتيرتها بسرعة ففي عامي 2015 و 2016م بلغت عوائد الخصخصة في العالم 1,2 تريليون دولار. حتى على مستوى الدول ذات الأيديولوجية الشيوعية والتي تقوم في جوهرها على الملكية العامة لوسائل الإنتاج تم تطبيق الخصخصة. فالصين وخلال عامي 2015 و 2016م حققت عوائد من الخصخصة بلغت 320 مليار دولار. وهو ما يعادل 30% من حجم الخصخصة العالمية.

 

ما موقف برامج الخصخصة بين المشكلة والحل؟

في ظل الأزمات الاقتصادية تبدو الخصخصة أحد الخيارات المتاحة لتوفير دخل إضافي للحكومات. فالمملكة  المتحدة تسعى لتحقيق عوائد تبلغ 33 مليار دولار عن طريق بيع الأصول. وأستراليا تخطط لجمع 120 مليار دولار من الخصخصة. والسعودية تخطط لجمع 55 مليار دولار من خلال الخصخصة خلال أربع سنوات.

إن الخصخصة بإمكانها تحقيق 60% كعوائد من خلال بيع الأصول والمشاريع. لكن يمكن أيضاً تحقيق 40% من قيمتها بوسائل أخرى تعظّم إيراداتها. مثل إجراء تحسينات تشغيلية للأصول وإعادة هيكلة النموذج المالي. وإن كان البيع يظل أسهل وأسرع بالنسبة للحكومات.

أما فيما يتعلق بكيفية اتخاذ الحكومات لقرار الخصخصة ودراسة مدى فاعليته. ففي حال كانت الحكومة بحاجة لموارد إضافية بسيطة. يجب أن تضع في اعتبارها أن بيع أحد أصولها سيكون له تأثير ضئيل على الوضع المالي. بعكس إجراء تحسينات تشغيلية على هذه المشاريع والأصول التي تمتلكها.

أما إذا كانت الدولة تبحث عن سيولة سريعة لسد احتياجات عاجلة فيكون بيع الأصول أكثر فاعلية. ويُعد قرار بيع أصول الدولة أمراً صعباً للغاية. ففي علم النفس القومي وبسبب التجارب السابقة مع الاستعمار فهناك تردد كبير بين الحاجة إلى بيع الأصول بشكل تنافسي والاتهامات بـ”بيع البلاد للأجانب”.

من العقبات التي تواجه برامج الخصخصة وجود اختلاف كبير في تقييم الأصول. فإما أن توجد مغالاة في القيمة من جانب الدولة. أو يوجد إصرار رجال الأعمال والمستثمرين على دفع أسعار أقل من القيمة الفعلية. بسبب تشككهم في جدية الدولة بالتحول إلى اقتصاد حُرّ يدير القطاع الخاص الجزء الأكبر منه.

لعلاج تلك المشكلة لا بد من إقناع المشترين بأن الدولة جادة في عملية التحول الاقتصادي وبيع بعض الأصول الأولية بأسعار معقولة. وبمجرد قيام الدولة بذلك ستتمكن من الحصول على عوائد أعلى بكثير من عوائد ذلك الأصل في السابق. وبالتالي زيادة الاستثمارات في الدولة وتحولها لاقتصاد السوق الحُر.

 

ما أبرز التبعات السلبية للخصخصة؟

من التجارب السلبية للخصخصة التجربة المصرية. حيث كان هناك 85 عملية خصخصة في الأعوام بين 1996 – 1999م. وبسبب ذلك انخفض الطلب الكلي في مصر وعانت البلاد من انكماش اقتصادي. بالإضافة إلى ذلك فإنه مع بيع الحكومة المصرية في ذلك التوقيت للغالبية العظمى من أصولها التي تُدِرّ الأموال. أصبحت مهمتها أصعب في بيع الشركات الخاسرة الأقل قابلية للبيع. والتي تمثل في الأساس عبئاً على الميزانية. من هنا ظهرت المشكلة التالية للتجربة وهي التأثير السلبي على البورصة.

من جهة أخرى استفادت البورصة المصرية بشكل جيد من عمليات الخصخصة وبيع الأصول. حيث كان أكثر من 80% من نشاطها ناتجاً عن إطلاق برامج الخصخصة. إلا أن ذلك الوضع لم يستمر كثيراً. حيث أدى طرح عدة شركات بأسعار مبالغ فيها وتوقف عمليات البيع للتأثير سلباً على أداء البورصة فيما بعد.

كما عانت بريطانيا من آثار سلبية لعملية الخصخصة. نتيجة انخفاض مستوى الخدمات العامة في المناطق الأقل أهمية من الناحية الاقتصادية. فالشركات الخاصة تبحث عن القطاعات المدرّة للدخل. بينما الحكومات تقدّم خدماتها تبعاً للمسؤولية الاجتماعية. ولذلك فأكثر من 60% من البريطانيين في المناطق الريفية يعتقدون بأن مستوى الخدمات المقدمة لهم تراجع مستمر بعد الخصخصة. لذلك فإن قرار الخصخصة لا بد أن يراعي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.




المنشورات ذات الصلة