السبت 14 شعبان 1445هـ - 24 فبراير، 2024

ما حجم هجرة العقول في سوريا؟ وما تأثيرها على الدولة والمجتمع السوريين؟

img

الإثنين, 28 فبراير, 2022

9

تعتبر قضية هجرة الكفاءات من القضايا الشائعة في مختلف العصور وفي مختلف الدول سواء النامية منها والمتقدمة. فظاهرة هجرة الكفاءات تترك آثاراً اقتصادية واجتماعية وتنموية على الدول الفاقدة. وتعتبر سوريا من أكثر الدول التي عانت من هجرة الكفاءات. والسؤال هنا: ما حجم هجرة العقول في سوريا؟ وما تأثيرها على الدولة والمجتمع السوريين؟

هل تشكل هجرة العقول السورية ظاهرة سلبية؟

في الحقيقة هجرة العقول السورية تشكل ظاهرة سلبية على الدولة السورية. كما تعتبر قضية محاطة بالغموض في ظل ندرة المصادر الموثوقة التي يمكن الاعتداد بها لناحية حجمها وتأثيرها. فعلى الرغم من كثرة الحديث عنها إلا أنها يندر وجود مصدر علمي أصيل تناول هذه الظاهرة ببحث علمي منهجي.

في الواقع إن هجرة العقول السورية ظاهرة قديمة. فالمخطط والمعماري السوري الدمشقي “أبولودور” أحد أهم بناة صروح روما. ولاحقاً استقطبت روما جوليا دومنا الحمصية وعائلتها. والإمبراطور فيليب العربي من أبناء حوران. وفي القرن السادس عشر الميلادي أغرى السلطان العثماني سليم الأول معماريي سوريا للهجرة إلى الأستانة للمساهمة في بنائها بعدما غدت حاضرة العالم الإسلامي.

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت موجة هجرة جديدة تعتبر الأكبر في تاريخ سوريا بعد موجة الهجرة الحالية. فالعديد من الشباب السوري قصد الأمريكيتين. إذ بلغ عدد السوريون في البرازيل وحدها عام 1914م ما يقارب 140 ألفاً. وساهموا بشكل مباشر ببناء البلاد وتأسيس نهضتها.

من جهة أخرى لم تنقطع هجرة العقول السورية خلال العقود السابقة. وإن كانت تزداد وتنخفض تبعاً لظروف موضوعية وذاتية. ففي عام 2000م وفي دراسة لخبراء الهجرة والتنمية في الأمم المتحدة فإن نسبة المهاجرين السوريين ممن هم في المستوى التعليمي الثالث (الجامعي وما فوق) بلغت 35% من مجمل المهاجرين السوريين. إلا أنهم كانوا حينها أقلية بالنسبة للهجرة العالمية فلم يشكلوا إلا 0.9% من مجمل الهجرة العالمية.

ما حجم هجرة العقول السورية؟

في الحقيقة قدّرت دراسة للبنك الدولي أن عدد المهاجرين السوريين من حملة الجامعات عام 2005م بلغ 480,708 مهاجرين. وتقدر الجمعية الطبية العربية الأمريكية أن عدد الأطباء السوريين في أمريكا 6,000 طبيب. ويقدر عدد الأطباء السوريين في ألمانيا بـ 18,000 طبيب. كل هذه الأرقام تتعلق بالفترة ما قبل الأزمة السورية.

من جهة أخرى ازدادت هجرة العقول في ظل الأزمة السورية بشكل غير مسبوق. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية توثق حجم هذه الهجرة. إلا أن العديد من التقارير الصحفية تناولت هذه الظاهرة. فعدد المهاجرين من الأطباء السوريين بلغ 33% ومن الصيادلة 20%.

كما بلغ عدد المهندسين السوريين المهاجرين 8,500 مهندس. وأساتذة الجامعات 1,200 أستاذ. كما أدت الهجرة إلى تناقص حادّ في أعداد الهيئة التعليمية في البلاد. حيث بلغ النقص في جامعة دمشق 43.43% وفي جامعة حلب 45.48%. وهو ما يعني تراجع مستوى التحصيل العلمي في سوريا.

في دراسة استطلاعية لمعهد بحوث العمالة “IAB” بالتعاون مع المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين “BAMF” والمعهد الألماني للبحوث الاقتصادية “DIW”. فإن نسبة الأكاديميين من طالبي اللجوء السوريين بين عامي 2013 – 2016م بلغت 22%. واستطاع مركز “داد” للتبادل الطلابي في ألمانيا أن يستقطب مليون ونصف عالم وباحث من مختلف دول العالم. 15% منهم من السوريين.

ما مدى الخسائر المرتبطة بهجرة العقول السورية؟

تسبب هجرة الكفاءات في سوريا خسارة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة. وهنا لا بد من التنويه أن غالبية الدراسات التي تناولت الخسائر المرتبطة بالأزمة السورية تتجاهل خسائر هجرة الكفاءات. وقد يكون سبب هذا التجاهل عدم وجود إحصائيات رسمية مؤكدة توضح حجم هذه الخسائر.

تناولت دراسة سورية قضية الخسائر المرتبطة بهجرة العقول. ووفقاً لهذه الدراسة فإن هذه الخسائر تُقدر بـ 40 مليار دولار. موزعة كالتالي 8 مليار دولار خسائر اقتصادية مباشرة و7 مليار دولار خسائر الدولة السورية نتيجة هذه الهجرة. و25 مليار دولار خسارة غير مباشرة ترتبط بالحاجة لتدريب وتعليم بدائل للعقول المهاجرة.

تتعدد الأسباب المؤدية لهجرة العقول السورية. منها انعدام الأمن وانخفاض المستوى العام للدخول. فالدخل لا يتناسب مع مستوى الكفاءة الموجودة. فضلاً عن ضعف دور مؤسسات البحث العلمي ومؤسساته. بالإضافة إلى انعدام آفاق الابداع والتطوير وفقدان الأمل بإمكانية البحث عن عمل لائق ودخل مناسب والوصول لمراكز اتخاذ القرار.

تسعى غالبية الدول للمحافظة على خبراتها وعقولها والعمل على استقطاب من هاجر منهم. وفي سوريا قبل الأزمة وخلال الأزمة لم تُرصد أي سياسات حقيقية للتعامل مع قضية هجرة العقول. باستثناء توسيع نطاق عمل وزارة الخارجية ليغدو اسمها “وزارة الخارجية والمغتربين”. وينحصر دورها في التواصل مع المغتربين وحل بعض مشاكلهم.

ما أهمية رأس المال البشري والكفاءات للدول؟

تزداد أهمية الكفاءات في الدول. وهذا ما يفسر ظهور مصطلح “رأس المال البشري”. فهو تأسيس لمرحلة جديدة من العلاقة بين عناصر الإنتاج. وتوثق لظهور مرحلة جديدة من عناصر القوة. فلم تعد القوة العسكرية والاقتصادية هي العامل الأهم. بل ظهر اقتصاد المعرفة والذي يعتبر رأس الهرم في منظومة التطور الاقتصادي والاجتماعي. ومما لا شك به فإن العقول هي محرّك هذا الاقتصاد.

كما يشمل رأس المال البشري كل ما يزيد من إنتاجية القوى العاملة بواسطة القدرات والمهارات المعرفية والتقنية التي تكتسبها. أي من خلال العلم والخبرة. ومن الملاحظ هنا أن مفهوم رأس المال البشري متراجع نسبياً في سوريا. وهو الأمر الذي انعكس على التعامل السلبي مع قضية هجرة العقول والكفاءات.

في النهاية لقد شهد العالم تجارب دولية رائدة في التعامل مع قضية هجرة الكفاءات. منها التجربة المكسيكية والبرازيلية. وتعتبر التجربة الهندية أكثر هذه التجارب تميزاً وخصوصية. لا سيما أن الحكومة الهندية اعترفت بصعوبة استعادة عقولها المهاجرة. فقامت بتأسيس مكاتب لمتابعة شؤونهم في بلدان المهجر والعمل على الاستفادة منهم. وحالياً تبلغ تحويلاتهم للهند 43 بليون دولار سنوياً.




المنشورات ذات الصلة