الأحد 6 ربيع الأول 1444ﻫ - 2 أكتوبر، 2022

ما أثر الأزمة الاقتصادية اللبنانية على الاقتصاد السوري؟

img

الثلاثاء, 22 فبراير, 2022

11

قبل كل شيء ترتبط الدولتان السورية واللبنانية بروابط عضوية اقتصادية واجتماعية وديمغرافية. وهذا ما يجعل من الصعوبة بمكان عزل أي تغيير في إحدى هاتين الدولتين عن الدولة الأخرى. وهذا ما يمكن إسقاطه بشكل مباشر على الأزمة الاقتصادية اللبنانية. والتي أرخت بظلالها على الاقتصاد السوري الحكومي والشعبي. والسؤال هنا: ما أثر الأزمة الاقتصادية اللبنانية على الاقتصاد السوري؟

ما حقيقة الأزمة الاقتصادية اللبنانية؟

في الواقع يلخص مركز كارنيجي للشرق الأوسط في أحد منشوراته الأزمة الاقتصادية اللبنانية. بأنها “في جوهرها أزمة حوكمة مُنبثقة من نظام طائفي يعاني من خلل بُنيوي. ما حال دون صنع سياسات عقلانية وسمح بانتشار ثقافة الفساد والهدر”.

في الحقيقية الأزمة الاقتصادية اللبنانية ليست أزمة جديدة بل هي أزمة متراكمة. بدأت بعد اتفاق الطائف من خلال السياسات التي كرّسها حزب الله وإيران في لبنان والشرق الأوسط. بالإضافة إلى فساد كبير في الطبقة السياسية والحزبية في لبنان.

نتيجة لذلك هناك تقارير تشير إلى نهب حوالي 52 مليار دولار من خزينة الدولة اللبنانية. لا يُعرف كيف صُرفت ولا أين تبددت على مدى 30 عاماً. وبالتالي يتم التلاعب بسعر الصرف كما في سوريا لتغطية الفساد والحصول على مكاسب مختلفة من المضاربات. وما حصل في عام 2019 هو نتيجة تراكم سنوات طويلة من الفساد المالي.

بالإضافة إلى ذلك مسألة التهريب وخصوصاً الدولار والمواد الغذائية المدعومة إلى سوريا. مما شكّل استنزافاً للقطع الأجنبي في لبنان. علاوةً على العقوبات الأمريكية وقانون قيصر والتي أدت إلى الضغط على الاقتصاد اللبناني ونظامه المصرفي. وبالتالي إيقاف التحويلات الخارجية وانخفاض التعامل مع القطاع المصرفي اللبناني وتفجير مرفأ بيروت.

ما آثار الأزمة الاقتصادية اللبنانية على الاقتصاد السوري؟

في الواقع يعتمد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاقتصاد اللبناني. كما تسهم الأزمة المالية المتواصلة في لبنان في تعزيز الاتجاه نحو كارثة اقتصادية في سوريا. وهذا ما يُلاحظ من خلال تزامن انخفاض قيمة الليرتين السورية واللبنانية خلال الأشهر الأخيرة. حيث وصل الدولار الواحد في لبنان لحدود 15000 ليرة لبنانية وفي سوريا 5000 ليرة سورية. ومن ثم عاد إلى الانخفاض في كلا البلدين.

في الحقيقة يعتمد الاقتصاد السوري على الاقتصاد اللبناني في ثلاثة مجالات رئيسة. فهو يشكل سوقاً للمنتجات السورية. ومصدراً لتحويلات العمالة السورية المقيمة هناك. بالإضافة إلى كونه مركزاً لرأس المال والمستوردين السوريين. بحيث تؤثر الأزمة المالية اللبنانية المتفاقمة على هذه المجالات الثلاثة.

ففي مجال الصادرات وبحسب مرصد الترابط الاقتصادي انخفضت الصادرات السورية خلال الأزمة من 375 مليون دولار. إلى 132 مليون دولار. وهذه الأرقام لا تشمل تجارة تهريب المواد الاستهلاكية والمشتقات النفطية والعملات والمواد الأخرى. والتي تقدر بمليارات الدولارات. وتشير تقارير وزارة الداخلية اللبنانية لوجود ما يقارب 114 معبراً غير نظامي بين البلدين. وهذا ما يبين حجم وحركة التهريب.

في حين تحتل الحوالات المصرفية للعمالة السورية داعماً كبيراً للاقتصاد السوري. وقد تأثرت الحوالات المصرفية بشكل كبير نتيجة الأزمة الاقتصادية اللبنانية. وحسب تقديرات المجلس النرويجي للاجئين بلغت نسبة الحوالات القادمة من لبنان لسوريا في العام 2018 حوالي 19%. مما يجعل لبنان ثاني أكبر مصدر للحوالات بعد السعودية لمناطق سيطرة النظام.

ما عواقب الأزمة اللبنانية على الاقتصاد السوري؟

زيادة على ذلك عادةً ما يودع العديد من السوريين -لا سيما رجال الأعمال منهم- أموالهم في لبنان. وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز فإن 80% من السوريين يحتفظون بأموالهم في لبنان. وأغلبهم من التجار المقربين من النظام السوري والذين يقومون باستيراد المواد عن طريق شركات مُحدَثة للتهرب من العقوبات الأمريكية والأوروبية.

زيادة على ذلك غالباً ما كانت تلك الشركات تقوم بتأمين المحروقات والمواد الأساسية. وفي ظل الأزمة المصرفية اللبنانية تجمدت أموال رجال الأعمال تُقدر بأكثر منه 42 مليار دولار. مما أثر على وجود المواد الأساسية في سوريا وضعف الكهرباء وشح الدقيق مما أثر على الخبز وجعل منه أزمة ومعاناة يومية.

كما زاد قانون قيصر من سوء الأزمة. ودفع العديد من الشركات إلى التوقف عن التعامل مع النظام السوري خوفاً من العقوبات. بالإضافة إلى آثار أزمة فيروس كورونا على كامل اقتصادات دول العالم ومنها اللبناني والسوري في ظل بوادر انكماش عالمي لعدة سنوات.

في النهاية إن عواقب الأزمة اللبنانية قد لا يمكن الجزم بأثرها الكامل على الاقتصاد السوري. فمن المتوقع أن تتعمق هذه الآثار مستقبلاً لأن لبنان -وخلال عقود طويلة- كان بمثابة الرئة الاقتصادية لسوريا. وبالتأكيد فإن كل البدائل التي يسعى إليها النظام السوري قد تخفّف من حدة أزمته لكنها لا تلغيها. إذ إن من الصعوبة بمكان أن تنجح أي دولة في تعويض الخدمات التي خسرها الاقتصاد السوري في ظل أزمة لبنان الاقتصادية.




المنشورات ذات الصلة